Friday, January 09, 2009

فيما يتعدى الغناء

هذا الصباح تركت كل شيء
والى ارضك الخصبة التجأت
اتيت عاريا كطفل
يدخل الحياة على مهل
ابيض كثلج النوافذ
اتيت كما لم يأت احد
حاملا الف قصيدة لعينيك
اتيت لأقف على اعتاب قلبك
وافتح صدرك لأنفاسك
لأقول انني اتعلم الحب من جديد
انني افقد عذريتي بين يديك

هذا الصباح
تركت العصافير والاغنيات
ازهار البنفسج والجنيات
حلم زمن مضى
وحب نبت فوق كتفي على عجل
كزهرة تكسر الارض بشفافية
لتعلن ميلاد زمن جديد..
هذا المساء
اتيت بكل نعاس هذا العالم
لأنام فوق صدرك

هذا الصباح
جدول ماء اتيت
لأسبح فوق ظهرك
لأتغلغل فيك حتى اخرك
لانام وأحيا بين اضلعك
لأغفو واحلم
لأصنح طائرات ورق للأطفال
اتيت لأرمي جسدي المتعب اليك
اتيت لأصلي
للملائكة التي تسكن شعرك
..........................................
غدا سنستيقظ
سنظن اننا كنا نحلم
وسنجلس منفردين
كل الى طاولة
نأخذ طعام الفطور
ثم ننقر بأصابعنا
فوق الخشب
وندندن سوية اللحن نفسه
لكن منفردين

وحين يقترب الليل
يفتح كل منا نوافذه
على الاخر
وننسى كما الاطفال
اجسادنا عارة في المطر
لتشربنا الانهار
ونتلاشى سوية في الافق الغريب

الى ظل بنفسجة
التجأنا من حر الصيف
وضحكنا كثيرا
حتى اخر الليل
يومها لامست لأول مرة شفتيك
وكنت تهمسين بحذر
وتبعدين الهواء عن صدري
لم يكن بأمكاني حينها
ان امسك الحصان البري داخلي
بحوافره الحديدية راح ينقر جمجمتي
ويهوي ارضا كطفل صغير
كان يصرخ بشدة
كان يريدك بشدة
كجزيرة لطائر شارد فوق سطح البحر

Friday, November 14, 2008

Sunday, November 02, 2008

الألفية العاشرة

الفصل الاول
أرفع يدي لأقطف أمنية تدلت فوق رأسي لكن الحلم يوقظني. يدي مربوطة إلى السرير والأخرى غير موجودة. ليست مقطوعة ولا مكسورة، لكنها تبدو وكأنها لم تنوجد أبداً. المشهد طبيعي مفعم بالعادية وكأنني قد أعدت الحياة بدونها.
كانت السلسلة المربوطة إلى السرير مكدَّسة فوق بعضها وكنت أحاول عبثاً معرفة كم يمكن أن يكون امتداد هذا القسم من السلسلة، إلى المطبخ أم إلى الحمام؟! لا أدري، ولكنني حافظت على هدوئي وكان عندي شبه يقين بأن أحدهم سيأتي ليقول إنهم قبضوا على الفاعل على بعد أربعة أحياء من هنا، ويسارع كل من كان قربي إلى إلقاء اللوم عليَّ، فأنا لم أحبه أبداً.
التفتُّ يميناً ثم يساراً أطالع الوجوه التي تحيط بي من كل جانب، وجوه تخرج من الجدران لأناس لا أعرفهم. أحاول عبثاً التعرف عليهم، على بعض ملامحهم، لكن لا شيء. غرباء يخرجون من كل شيء كالصراصير في حر الظهيرة.
يُطفىء أحدهم التلفاز، ويقول: "لا تنتظر وجهاً تعرفه، فأنت نائم منذ رحيلها"، أردت أن أسأله من هي؟ ولكنني أحجمت. تقدَّم نحوي وابتسامة تعلو وجهه، وكرشه يتدلى أمامه، ورأسه ذات الشعر البني الأقرب الى الشعر المستعار من الشعر الطبيعي، وقال:"منذ متى أنت هنا؟". قلت:"منذ وُجدت". التفت يميناً إلى السلسلة التي تشدني الى السرير، وكرّر السؤال نفسه وباللهجة ذاتها، "منذ متى أنت هنا؟".
لم يعجبني ما قاله أو لم أفهم ما يعني بسؤاله، فأنا موجود منذ مدّة لا أعرفها، وقد أُصبت بالإغماء عدّة مرات بسبب قلة الطعام والشراب. التفَّ الرجل من حولي وراح يتابع الأشياء التي تملأ الغرفة بعين الفاحص الخبير، وكان يدندن لحناً أعرفه، ثم عاد فجأة ليسألني "منذ متى أنت هنا؟"، كرّرت الجواب ذاته أو بالأحرى الجواب الوحيد الذي أملك منذ أن وُجدت.
انفتح الباب على رجل آخر يرتدي سترة سوداء وله وجه أسمر ويدان كأيدي الأطباء، لم يلقِ التحية، بل تبادل بعض النظرات مع الرجل الواقف بقربي، وراح يتفحص كل شيء، وكأنه يقوم بعمل يومي، عمل عادي! قلت: "لا تلمس أشيائي بهذه الطريقة المحايدة"، لم يلتفت الرجل إليَّ، لكنه قال شيئاً يبدو كأنه حفظه عن ظهر قلب: "كل شيء مصاب بداء العادي".
ابتسمتُ، وقلت: "فيلسوف بثياب غريبة". ابتسم، ودون أن يلتفت نحوي ويداه تتفحصان علبة ملونة فوق الطاولة، قال: "التمحيص بالأشياء يعلِّمنا الفلسفة، وما الفلسفة سوى الدخول في تفاصيل الأشياء الى أبعد من المطلوب وأقل من المستحيل".
لم أقل شيئاّ، لكنني أشحت بوجهي عنه، ورحت أفكر في أشياء أخرى، كانت الأفكار تمر برأسي وكأنني شخص آخر يتابع حياة غريبة لا تعنيه بشيء، كنت كمن سقط من ارتفاع هائل ولا ينتظر غير الارتطام المحتوم .
لا أدري متى قرأت في الجريدة أنّ أحدهم باع حياته عبر الإنترنت، وعُرضت في المزاد العلني. قلت للرجل الذي كان يتنقَّل كذبابة ببذته السوداء، فيمد خرطومه ويتذوَّق كل شيء: "أتصدق أن أحدهم باع حياته بالمزاد العلني؟!"، لم يلتفت الرجل وتابع عمله وكأن شيئاً لم يكن. قال الرجل الآخر الذي يمسك بشرشف السرير وينظر إليه عن كثب: "هل باع كل أشيائه؟". لم يعنني ما قال، لأنني كنت قد انتقلت إلى قاعة كبيرة تعلوها منصة وُضعت عليها مطرقة وستائر أرجوانية ناصعة وكراسٍ منسَّقة بشكل منمّق.
دخل أحدهم، فتاة في العشرينات من العمر، اقتربت مني، ابتسمت، أعادت تسريحة شعري، وقالت: "هكذا أفضل". لم تكن تحمل مرآة فاكتفيت بما اختارت، اكتفيت بالأفضل الذي فضّلته. وما هي إلا لحظة حتى فتح الباب على جمهورٍ يبدو وكأنه يتشاحن أمام الباب منذ وقت ليس بالقصير، فتدفق الناس كخطوط النمل بين الكراسي، وكانت أصوات تغلغلهم تعلو من هنا وهناك.
إن القاعة ضيقة وأحدهم رفع صوته: "إن رائحة العرق تخنق حتى الكراسي والطاولات". صوت ارتطام المطرقة بالطاولة أعاد الهدوء إلى القاعة. وبطريقة آلية التفت الجميع، إنّه رجل تبدو عليه ملامح القساوة والجدية، الشعر الأبيض اكتسح رأسه ليضفي عليه بعض الوقار والبذة الرسمية كهيئة ظابط بحرية. ثم دخل الرجلان اللّذان كانا في غرفتي، اقتربا من المنصة، تصافحا والرجل بودّية، ثم سألهما بصوت مرتفع:"أهذا هو؟"، فاقترب أحد الرجلين مني وابتسم، ودون أن يفتح فمه، أومأ برأسه، وقال من خلف المنصة: "فلنبدأ إذن" وأرفق كلماته بطرقة من المطرقة التي لا تفارق يده.
فجأةً. . سادت المكان فوضى غريبة، وبدأ الحاضرون بالهرج والمرج، وكأن جرذاً دخل إلى مطعم وراح يتحاشى الأرجل التي تتقافز أيضاً لتتحاشاه، لكن الأمر هذه المرة لم يكن جرذاً، إنما سيدةً عجوز يبدو أنها دخلت القاعة عن طريق الخطأ، فضحك الجميع ولا أدري- حقيقة- لماذا!!، لكن نظراتٍ قد تبادلها الحاضرون تشير إلى يقين ما.
حرّك الرجل ذو الشارب الأبيض قبعته واعتدل في جلسته، يبدو هذا الرجل كخرقة بالية ممزقة، لكنها مكوية بعناية. أثارته موجة الضحك، فبدأ يتحرك صعوداً وهبوطاً وكأنه راكب في سيارة. المرأة العجوز تحاول إيجاد مخرج لها وسط زحمة من الضحك والسعال. فجأةً يبدو أنها أصيبت بنوبة ما، اهتزّت بعنف قبل أن تسقط أرضاً وتتحول شفتاها إلى اللون الأبيض، وقد تقيأت ما في جوفها. توقف الضحك لحظة انهيار المرأة ونظر الرجل ذو الشارب الابيض إليها، وكان قد ارتفع قليلاً من مقعده ليتخطى الزحام الذي يتهافت للمساعدة بعد أن أصاب المرأة العجوز ما أصابها.
يدهشني كيف أن الحشد ذاته بكل ما فيه من وجوه لامعة، شاحبة، سوداء أو بيضاء، قد انتفض لمساعدة المرأة العجوز بعد أن أشبعها ضحكاً وتهكُّماً وبعد أن حاصرها بكل زيوته اللزجة وذبابه السوقي القاتل.
الرجل ذو الشارب الأبيض والمرأة في الزاوية، التي تضحك بخجل وتخفي فمها كلما ابتدأ الضحك، الآن لا تزال تخفي فمها، لكنها استبدلت شعورها بكل بساطة كما يُستبدل فيلم فيديو، فهي تبدو أصغر سناً وقد قلصت المفاجأة خلايا وجهها.
خيَّم صمت غريب على القاعة واستحالت أكثر نوراً وأقل وطأةً، وحدي كنت أتشدَّق كلمات غريبة عن الرحمة والأدب والأخلاق، كنت أحرك رأسي من حين إلى آخر في علامة تدل على الاستغراب وما هي إلا لحظة حتى انفتح الباب على رجلين يرتديان الأبيض كالملائكة وكأنهما خرجا من السماء عنوةً، فكل شيء فيهما متناسق، اللباس الأبيض، أدوات الإنعاش والسماعات الطبية، كل شيء مكتمل بهما، لأنهما يمثلان أخلاق البشر، يمثلان اكتمالنا في لحظة الموت أو في لحظة المرض.
كم نحتاج إلى مؤسسة كهذه بعد أن فارق الإنسان المتحضَّر كهفه، وبعد أن خرج عن إطار الذاكرة المشتركة، وبعد أن بنى أخلاقيات ومؤسسات وعواطف تناسب ميوله وحاجاته فقط.
اقترب الرجل ذو الشعر الأحمر والأنف الهائل، فوضع سماعته على صدر المرأة العجوز بعد أن طلب من الحشد الابتعاد قليلاً، اقترب أكثر من صدرها، حرّك السماعة ثم أومأ بيده للرجل الآخر، الذي أعلن بكلمة واحدة لا تخلو من الأسى، إن المرأة قد فارقت الحياة.
ساد الصمت لحظة ثم حمل الرجلان المرأة واخترقا الحضور بمشيةٍ جنائزيةٍ بطيئةٍ، وكان الحشد ينشقّ كهواء يخترقه سهم والحزن يخيم على كل شيء الكراسي، الطاولات، المطرقة واليد التي تمسكها.
غريبة هي الأشياء كيف ندخلها فنحتل أشكالها ونمنحها مشاعرنا، إننا بكل بساطة نُسقط على كل شيء صورتنا أو تصوّرنا، فالتفاحة ليست تفاحة بالقدر الذي نظن والكراسي تحزن أو تبتسم وفقا لطقوس فرح أعراسنا أو حزن مأتمنا.
أعتدل في جلوسي لأراقب حشداً من السيدات كان قد تقوقع كأفراخ الدجاج، تجمَّعن ليمارسن الحزن الجماعي، والمرأة التي اعتادت أن تُخفي فمها حين تضحك كانت لا تزال تخفيه وهي تبكي. ويبدو أن النهار سينقضي على حزن هذا الصباح.
نظرت إلى الساعة فلم أجدها، حاولت أن أتكهَّن الوقت فلم أفلح، فالطقس داخل القاعة مستقر وكذلك الإنارة، وحدها الساعات تشير الى الوقت في مكان كهذا، ودوى صوت المطرقة من جديد، فعاد الحاضرون إلى كراسيهم، قال الرجل صاحب المطرقة: "فلنكمل عملنا، إنّ السيدة قد ماتت وهذا كل ما في الأمر".
تقدَّم رجل يفوق حجمه حجمي بثلاث مرّات، يرتدي نظارة طبية لأنّ حولاً قد أصاب عينيه، للحظة لم أعرف من هو المقصود بالإشارة ولكن حين كررها وكنت الوحيد الذي يشغل هذه الزاوية، وقفت وتقدَّمت نحوه، أخذني من يدي وأصعدني منصةً كالمنصة التي نشاهدها في قاعات المحكمة.
لم أكن أعلم ما الذي يحدث معي، لم أكن أعرف الساعة أو اليوم أو حتى السنة، لقد كنت مسلوب الإرادة ومهملا حتى العظم، لا شيء حولي يشبهني، أو لا أشبه شيئا حولي، خارجي مدينة مهجورة يغطي وجهها الخوف والكلف، وكل شيء حولي يغمرني بخوف مميت، كطفل في ليل أسود رحت أبحث في رأسي عن أي شيء مألوف أو عن وجه يمنحني ماء المعرفة لأروي خوفي الشديد، فقد كنت مهملاً فوق المنصة البنية، الناعمة الملمس، وعاجزاً عن كل شيء، يسكنني شعور بأن كل شيء متواطئا ضدّي، حتى الكراسي والطاولات، الناس والذكريات، الرجل ذو الأنف الكبير والمرأة التي تخفي فمها عند البكاء والضحك، وحدها المرأة العجوز كانت معي، كانت بكل بساطةٍ إمرأة عجوزاً، لا أكثر ولا أقل.
أخذ الرجل الواقف خلف المنصة يردد أسماء أعرفها وأشياء أملكها.. كمال حسن.. صديقي المقرب جداً، أعرف هذا الإسم، إنه صديقي منذ مدّة طويلة، أذكر كمال حين كنّا على مقاعد الدراسة، كنّا دائماً نتقاسم ما نملك من الطعام وكنَّا أحياناً كثيرة نبقى حتى وقتٍ متأخرٍ من الليل في الأحراج لننظر إلى القمر.
ثم راح يردد أسماء أخرى، رنده ومحمد، كنت أسمع الأسماء وبحركة تلقائية أتصفَّح وأتفحَّص الحضور في محاولةٍ للعثور على وجه يطابق الأسماء المذكورة، وحين علقت عيناي على إمرأةٍ تضع حول عنقها فرو ثعلب ميت، لا أدري لماذا اجتاحني خوف شديد وشعرت للحظةٍ بالرغبة بانتهاء هذه المهزلة، لذلك قررت الخروج، ولا أدري لماذا لم أقرر الخروج من قبل، لربما لأنّ المكان يتشابه وقاعات المحاكم.
نزلت عن المنصة الخشبية وكان الرجل صاحب المطرقة، الذي أغلب الظن أن اسمه عدنان ما زال يردد أسماء أعرفها، وقد أصابتني بالهلع والذكريات. وحين ذكر أسماءً كنت قد نسيتها ونسيت ملامح أصحابها، اجتاحتني الذكريات كسيل من الماء اللّزج ورحت أترنح كمن أصابته اللوعة، محاولا استجماع قواي لأخرج من هذا المكان، لكن رجلاً تقدَّم مني وأمسك بذراعي وهمس في أذني "لا تفعل"، التفت إليه وعدَّلت من وقفتي، إنّه الرجل الذي تفحَّص أشيائي بحيادية مفرطة، الفيلسوف صاحب الثياب الغريبة.
عدلت عن فكرة الخروج ولكنني قررت المواجهة وقلت في نفسي "إن كان لا بدّ من أن شيئاً سيحصل، فالأفضل أن أعرف ما هو، ولو كان حكماً بالإعدام، فأنا أكره الغموض والإنتظار".
الوجوه من حولي تبث الرعب في جسدي وتحملني رائحة أنفاسهم إلى عالم من القيء اللزج.. كم أكره الغرباء والوجوه التي لا تحفظها الذاكرة، كل ما أعرفه عنهم هو ضباب لا يفصح عن شيء.
الناس من حولي يضحكون لأي شيء، ويكتسحهم الحزن لأي سبب، ويموتون غيظاً لأي سبب، بُلهاء كأطفال هجرتهم براءتهم، واستحالوا أجساداً تتحرك بغير عقل وبغير هدف، فارغون كهواء خفيف في زاوية معتمة. فجأة أمسك وجودي شعور بالتلاشي، كمومياء سقطت فجأة في النهر. أرفع يدي لأتأكد من ملامحي، ومن وجودي، كل شيء في هذه القاعة يخنقني كطوق يشدّ على عنقي، أشعر وكأنّ كراسي الخشب داخل حنجرتي تمنعني عن فعل أي شيء. عبثاً أحاول عبر السعال إخراجها، وأحياناً كنت أضع إصبعي في فمي في محاولةٍ للإفلات من الشعور الذي يمسك حنجرتي كمشنقةٍ دائمة الالتفاف حول عنقي، وكلما تكلمت أو ابتلعت ريقي يشتدّ عودها على العنق الهش، إن الكراسي ذات الأرجل الطويلة المغطاة بطبقةٍ من الخوف الطينيّ تسلبني قدرتي على التفكير والفعل.
صوت أنثوي يدخلني فألتفت إلى أمي في الأنثى ذات العشرين ربيعاً، تشرح للرجل الفيلسوف قدرة الإنسان على اختراق الفضاء والوصول إلى باطن الأرض. كانت مأخوذةً بحماسةٍ غير عاديّة وهي تدلي بدلوها وبكل ما تعرفه أمام الرجل الخرطومي وهو يحرّك رأسه بصورةٍ آلية، بحركةٍ تنمُّ عن الإعجاب والموافقة.. إنّها الفتاة التي سرّحت شعري في أوّل الأمر.
تقول الفتاة: "إن الفضاء أصبح أقل غموضاً والإنسان أكثر معرفةً بما يحيطه من فضاءاتٍ وكواكب"، ضحكت بسخريةٍ واضحة، وقالت: "لربما نقابل الله يوماً ما فوق أرضٍ ما".
يبتسم الرجل الخرطومي، ويقول: "إن الإنسان قد قابل الله على الأرض منذ زمنٍ بعيد".
تكتسح الفتاة موجةً من الملامح الجديّة تغطي وجهها وجسدها، وتقترب من الرجل، تربت على كتفه، وتقول: "إنّ الله أمنية أو خوف أو شعور بالأمان، إنّ الله أشجار ذات ظلال طويلة".
يغمز الرجل بعينه، ويقول: "جميل ما قلتِ! يبدو أنكِ تملكين لغةً شعرية"ن فتضحك بعنفٍ للحظةٍ، وتعود لتقطب حاجبيها، وتقول ووجهها تغمره ملامح مختلطة بين الضحك والجديّة: "ألم تدرك أنني اشتريت حياة فدوى طوقان؟"، فيقول الرجل ويده لا تفارق كتف الفتاة: "جميل ما فعلت، فأنا اشتريت منذ مدّة ذاكرة فيلسوف".
تعدِّل من وقفتها، وكأنّها ترمي بثقلها من قدم إلى أخرى، تقول وابتسامةٍ لا تفارق وجهها المشدود كجلد طبل: "إن الحياة بحاجةٍ للشعراء مثلي، بحاجةٍ لمن يبلل خبز الحياة ليسهل ابتلاعه".
جميل ما تقول الفتاة، ولكنني لم أفهم ما علاقة فدوى طوقان، وماذا يعني أنها اشترت حياة فدوى طوقان؟، هل يعني هذا أنها اشترت مجموعة كتبها كاملةً؟، لا أدري، ولكن ثمّة ما هو غامض في كل شيء يدور من حولي، والرجل الخرطومي كيف يمكن أن يشتري حياة فيلسوف!، فالفلاسفة كلهم رحلوا منذ زمن طويل...تذكرت، لقد قال الرجل إنه اشترى ذاكرة فيلسوف، لا أدري كيف يمكن أن يحصل هذا الأمر وأي مجازٍ يحكم هذا الحوار.
يتقافز قربي رجل ببزّةٍ سوداء وبوجهٍ جنائزي، إنه يتحرك بلامبالاةٍ مفرطة، وينظر إليّ وكأنني غير موجود. اكتسحتني فكرة غريبة، ربما لست موجوداً حقاً وما أنا سوى فكرة خائفة في رأسي! لربما كل ما يوجد حولي وهم يمسكني؟! لكنّ يداي تلامس نعومة الطاولة وأشعر بقدماي فوق المنصّة الخشبيّة.
حركة تسرق انتباهي، إنه الرجل الخرطوميّ، لم ألاحظ قبل الآن أنه يتحرك أكثر مما يتكلم، إنه يفصَّل كل كلامه بواسطة حركة من يديه وعينيه، يبدو للحظةٍ أنه يتكلم بكامل جسده، كان يقول للفتاة بحماسة تزيد من حركة يديه ورأسه: "إنّ الحياة لا تحتاج سوى الى عفويةٍ مفقودة"... ويتابع فيما ابتسامةً تعلو وجهه، "وما حاجتنا إلى مجازٍ يزيد الغموض غموضاً ويفتح ألف باب لواقعٍ غير موجود ننحته بيدين من وهمٍ وصور تلبس الثلج ثياب العرائس".
ترفع يدها وتشير إلى قلبها، وتقول: "بيت الشعراء إحساسهم، قلوبهم وشغفهم، أما أنتم معشر الفلاسفة، فحجارة الأسئلة تطحن وجودكم وتزيد الغموض غموضاً، وما أجوبتكم سوى إمكانية فرضيّة أخرى، وسؤال يكبر ككرة الثلج، إنكم تعيشون داخل رؤوسكم، تحللون الماضي والمستقبل ويقتلكم الحاضر".
يرفع الرجل ذو الأنف الهائل يده باتجاهي ويضحك، ثم يعود إلى ما كان عليه بوجهه الغريب ذي الملامح الجامدة كالجليد، لا أدري إن كان الرجل يشير إليّ أم إنه فقط يتمطَّى بطريقةٍ ما؟!
لا أشعر حقاً بوجودي وكأنني آخر يتابع مسرحية فاشلة، كل ممثل يتصرف كما يشاء.. يضحك الرجل الخرطوميّ ضحكة كأزيز الأبواب، ويقول: "نحن ندرك ما يفعل الشعراء، ولماذا يفعلون هذا أو ذاك، وقد نحدد البداية والنهاية نحن معشر الفلاسفة شعراء بالفطرة".
تقول الفتاة: "أنتم معشر الفلاسفة بداية النهاية، أما نحن فالخيط الذي يربط الواقع بالخيال، نحن من يمنح الإنسان فسحةً من الأمل بعيداً عن منطق أرسطو ومطرقة نيتشه".
يبتسم الرجل الخرطوميّ، ثم يقطّب حاجبيه، لأول مرّة تبدو ملامحه بهذه الجدّية، ويقول: "إنّنا بحاجةٍ لمنطق أرسطو لنحدد متى وأين يجب أن تُضرب مطرقة نيتشه".
تقول الفتاة : "مهما تعاظمت قدرتكم على تحليل الواقع والوجود، فإنكم ستبقون إلى الأبد سجناء واقعٍ يمجّده بعضكم وينكره بعضكم الآخر".
يغمز بعينيه ويقول: "ما أجمل أن ننكر رمل الصحراء أو أن نبرهن أنّ الضوء لا شيء سوى فراغاتٍ في ظلامٍ دائم".
تضحك الفتاة وتقول: "أرى أنّك أصبحت شاعراً".
يربت على كتفها ويقول:"ألم تدركي أنك تفلسفت حين تكلمت عن الواقع والوجود"؟!
تغرق عيناه بشرود جسدها الغض للحظةٍ، ثم يودِّعها ويمضي بخفّةٍ نحو الباب، وقبل أن يخرج يلتفت نحوها، ويقول: "تركت الكثير من المجاز في جسدي"، ويضحك ضحكة مدوية بعد أن قالت له: "أرجو أن يختار لك الجمع ميتةً جيّدة".
يومئ بيده بحركةٍ وداعيّة ويمضي.

Tuesday, October 14, 2008

Thursday, October 02, 2008

Sunday, August 31, 2008

Friday, August 29, 2008

Thursday, August 21, 2008

Wednesday, August 13, 2008

Monday, July 14, 2008

مدينة الذباب

كم اود لو اخرج الأن لأجمع المدن كالخراف وأقودها الى المسلخ ,لأحاكم كل مدينة على خطاياها
هناك حيث يقتل المارة في الشوارع, ويقذف الأجنة من ارحام المزاريب , وتخرج النساء في الليل عراة من كل شيء الا من خوفهم وموتهم ،هناك حيث ينام بائعوا الخضار فوق عرباتهم تحت الجسور . هناك حيث تضخ المدينة موتاها
ورجالها ونسائها ، حيث لا امل بالبقاء سوى بالدم والعنف
ارفع رأسي عاليا كمن يحلق ذقنه واسير بغير هدى كالنمل اتبع خارطة السماء اتبع خط الأفق الى نهايتي الى بدايتي
حيث ولدت او حيث قذفني رخم الحياة لا امل بالبقاء للكائنات الهشة مثلي، هناك حيث ولدت في مدينة الضباب احتاج عشرين خنجر لأذهب لشراء علبة سجائر.
ثمة مدن لا تحتمل الكلام كالجد في حضرة الأحفاد ،هناك حيث يمنع الصراخ ويمنع حتى الأبتسام . المارة في اماكنهم كأحجار الشطرنج يتنقلون بفعل قدرة حفية تتحكم بمصائرهم . كرجال الفضاء يعيشون ايامهم داخل احشائهم المضطربة ، لا يحبون شيء ولا يكرهون شيء ، لا رائحة ولا طعم لأيامهم ،كبيوت الدعارة مفتحون على كل الأحتمالات .
في احشاء مدينة ما يعيش رجل في غرفة مقفلة كعلبة سردين، ضيقة كأيدي تطبق بعنف من الجهات الأربعة على الجسد الهش .علبة السردين هذه حارة في الصيف ورطبة كحمام يجتذب هوائها الفاسد الذباب من اخر الأرض فتعلق ارجلها الى شريط الكهرباء وترخي جسدها وتنام، ثم تخرج للصيد فتصيب الجسد الهش بالحكاك حين تمد خراطيمها لتسحب الدم من الصحراء ، فينتفض كالمجنون كلما تمادت الذبابات في الهجوم ،فيكفر بالله وبمن اخترع الذباب ، ومن اسكنه هذا الحي ومن أوجده في هذه المدينة. صوت من الداخل يزعق بعنف (تفه) اتقي الله يا رجل، فيضحك ضحكة هسترية تتطاير بفعلها اسراب الذباب وتخرج ورأسه من النافذة وينظر الى السماء ويقول ( ان الله قد مات ) منذ رفع الأنسان الأبنية فوق الصحاري , منذ ان اصبحت مجبرا انا وعكازي وعربة الترمس على الألتفاف الف مرة ، من زاروب الى اخر ومن مكان ضيق الى مكان اضيق الى ادراخ اعرج فوقها في الصباح والمساء.
كم يخطر لي احيانا ان اترك هذه العربة والترمس والعرانس في اي مكان وأمضي ، من الذي يمنح الحياة للأخر ومن يتعكز على من ، كل شيء مصاب بعدم اليقين ولا استطيع ان ارى ابعد من رصيف البحر .
اسمعت يا امرأة ان الله قد مات غيظا منذ ان اختلط الكفر بالأيمان منذ ان اختلط دم القاتل بالمقتول منذ ان تمادى اللايقين في الجنون ، في المدن يسبح اللايقين فوق كل شيء فيصاب بالأهمال والكسل .
يرخي الرجل يدا متثاقلة فوق الجسد البني لطاولة تأكلت بفعل الزمن، ويتأمل للحظة يده التي تجمع فوقها الذباب ويقول " اليس غريبا ان اوجد في هذا المكان " ويكشف عن صدره ليراقب ثلاث بقع اسفل البطن وواحدة في الصدر
يتحسس البقع الثلاث ويقول اليس غريبا ان اكون حيا ، وتقولين تفه لأنني اكفر بالله . قولي لي اذن من اوجدني في مكان محدد في ساعة محددة ، في لحظة محددة، لحظة مرور الرصاصات الأربع لتخترقني .
تصوري لو انني نسيت علبة الملح بعد ان خرجت ،وعدت لأجلبها كم كان من المحتمل ان تسقط الرصاصات امامي لربما اصاب حينها بهلع شديد لكنني ما كنت لأفكر بل لربما كنت لأقول الحمدلله . وأمضي بعدها الى رصيف البحر وانا مصاب بسعادة لا توصف بعد ان منحت حياة جديدة .
او لربما لو استيقظت ذلك الصباح وخرجت قبل الوقت بلحظة كم كان من المحتمل ان تسقط الرصاصات الأربعة بعدي
كم كان من المحتمل ان تصيبني بعض الشظايا الخفيفة , التي تصيب الجسد بالفرح اكثر اكثر من الأصابة بالوجع لأنها تمنحنا تجربة للموت ، تمنحنا تجربة ما كنا لنعيشها ابدا، تجربة اداء لمسرحية الموت الضروري.
لكنني استيقظت وفعلت كل شيء ، رتبت العربة وشربت قهوتي وأرتديت ثيابي . كل شيء حسب الوقت المحدد له ، ليس وقتي انا وانما وقت الرصاصات الأربعة . كل شيء جاهز لأكون وعربة الترمس في المكان المحدد ،مكان الضحية ، لتخترق الرصاصات الجسد الهش ونسقط جرحى انا وعربة الترمس كلانا اشياء تدمر وجودنا المدينة.
ما الذنب الذي اقترفته عربة الترمس ومن يدري لربما كفرت ايضا بالهة المدينة حين ارتطمت يدي بها وسقط كل شيء على الأرض ,تدحرج الماء والعرانيس الى رصيف البحر، ذلك الصباح ذهبت عرانيس الذرة وحيدة الى رصبف البحر.
ينهر الذباب عن وجهه بعنف ويضحك بخبث ويقول " لو قرء الله علم الأجتماع جيدا لحاكم المدن على خطايا الناس

Wednesday, July 09, 2008

Wednesday, June 25, 2008

اغنية للمطر

منذ ايام تمسك وجودي حالة من اللاشيء . اشعر وكأن جسدي منفصلا عني وكل شيء حولي مفكك، رأسي زجاجة فارغة تهتز بغير معنى وبغير اتجاه، ادخن كثيرا وأسعل كثيرا ، انني اكتسب عادات جديدة وكأنني اعيد بناء حياتي وايامي على قواعد وافكار وذوق جديد ، لم اعد اهوى الموسيقى الجيدة او فلنقل الموسيقى التي اعتدت على سماعها فأنا استمع الى اي شيء , ادفع في اي اتجاه لا اجيد الصراخ فأهوي الى عمق جسدي لأفتش عن روحي لأصطادها كالقبائل القديمة سأعلقها الى رمحي وفي المساء سأسلخ عنها خصال خوفها, كذبها سأعريها من كل شيء لا يشبهي,وعلى نار خفيفة سأشوي بعضا منها . سأقول لكل من حولي الأن تستطيعون اكلي فأنا خال من كل شيء مضرهكذا يحلو لي ان اقدم نفسي دائما لا فرق ان كنت كبش فداء فوق مائدة او محرقة كحذاء ينتظر من شيء يضرم النار في هذا الهشيل اليابس لجسدي , كخرقة بالية غسلتها الحياة الف مرة ,كأرض غطى الأستهزاء وجهها بالكلف والبثور ، يطحن هذا العالم وجودي كعجوز تأكل الجوز على مهل .وحدنا نقطف المطر بسلال من قش , وفي اخر العمر نقف عراة من كل شيء وكل موسم مطري قد اخفتى ،وحدنا نقف في اخر الأرض لنشرب حسرتنا
لمن ايها الرجل الغريب تزرع الأشجار والأمنيات ، لم تذرف الدموع ولمن تحيا ؟
انا وانت ونحن غرباء ...غرباء لأننا نسينا من يجمعنا ما اغنيات

Friday, May 23, 2008

Sunday, April 20, 2008

لم يأتي موسم موتك بعد


لوركا يخرج من الجسد عاريا
يسبح في الماء المنحسر بيننا
امسك يداي لوركا
احملني معك
اين ماء خوفك لأشرب حتى الموت
وأهوي كقمر الليل , كأفاعي الماء الطويلة
لوركا انني اسير عبثا نحوك
لأصنع من صرتك اقراط اذني
لوركا اهرب يا ولدي
امتطي كالحصان جسدي
الخراف في اذناي تعوي ككلاب البراري
ماء.. من يعطي لوركا بعض الماء لينمو
كأسماك الينابيع لا يعرف للحياة غيرالحنين طريق
لوركا توقف عن النحيب
شبابيك روحي تخلعت
انظر الي بني انا صحراء صحراء
رملي وأشجاري المحترقة
حنجرتي والكرة التي تسدها
اخشى عليك من وجعي
لوركا عذرا
فقد فطمناك باكرا
لوركا امسح دمعك دمك ولنمشي كالنمل
لنتبح خارطة اجسادنا
احاول عبثا ارضاعك الماء المتدفق من السقف
احاول عبثا اسكاتك
تدعدغني فكرة رميك في البئر
فأهوي امامك
تراودني فكرة اخرى فأعدل عنها
اقبل جبينك وأبكي
لوركا يا ولدي
لم يأتي موسم موتك بعد
افتح رئتاك للماضي
ارضع ذاكرتك وأجترها
افتح فمك عاليا للريح
افتح للهواء صدرك
ابسق كرة الثلج من جوفك وأشتعل
لوركا تقدم نحونا ولا تخف
نعرف ان الأرض زلقة والجرف عال
ونعرف ما لا نعرف
نعرف ما لا نفهم
ونعرف اننا نملك
في الأرض جنة صغيرة بحجم يديك
انا وانت وناديا
كرة الثلج التي تكبر
تتدحرج لتصدم الجدران كافة

Friday, April 18, 2008

ذكرى 13 نيسان


جريدة اللواء 08/04/15

Thursday, April 10, 2008

Friday, March 28, 2008

غرباء في ارض السواد


يربكني هذا الرحيل
حين تركتني عاريا وسط المدينة
حين قلت انك راحلة
حين امتص العالم وجودك
حين ارتفع طيفك الى السماء واختفى
كم كان الحزن عاليا
كجبال لا تقطعها خيول مدربة على الرحيل مثلي
كل شيء يتهاوى فجأة
كبناء قديم كمسبحة انفرط عقدها
كرحيل كامل
كأنتهاء ما بعده انتهاء
***
لم نكن قد اعددنا زاد الشتاء
المطر كالدود يتسرب الى الداخل
احاول عبثا اخراجك
طيفك كالريح كالمطر يداهم الأزهار الهشة
كالحزن في ليالي الشتاء الوحيد
شبابك الأرض مغلقة بأحكام
كصناديق يملئها الغثيان
انا لا اخافك
انا لا احبك
انا مشتاق فقط عزيزتي
***
كالصفصاف في امتداد الفضاء
نحمل رؤوس كم تمنينا ان تتهاوى
كم تمنينا لو تتغير جغرافية الأرض فجأة
كم تمنينا لو ينسى العالم ولو لحظة واحدة نفسه قربنا
كم ابتسمنا لأننا لا نملك ان نقول شيئا
يكتسحني جنون ما بعده جنون
وحزن الأرض فوق ظهري
كجرب مزمن
كباب مخلع
حياتي تشبيه او مجاز
لا شيء فيها حقيقي
وهم ينبت كالعلق بين اصابعي
امس لم احلم بشيء
لأنني لم استطع النوم .

Wednesday, March 26, 2008